عودة للقائمة

    الإجهاض وحكمه الشرعي وأثره على الصحة

 

قال تعالى : (( ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا))

يبتدىء خلق الإنسان من بعد آدم -عليه السلام- بتكوينه جنينا في بطن أمه ،والحمل والولادة هما أداة التناسل والتكاثر لدى البشر ،كما قدر ذلك الخالق عز وجل، قال تعالى :((
الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما
تشكرون )) السجدة 6-9

ولقد خلق الله تعالى الإنسان وكرم بني آدم وجعل نظام بقائهم مرتبطا بالتزاوج والتناسل ، وجعل لدى الإنسان الدافع الجنسي الذي يتمثل في حنين الرجل للمرأة وشوق المرأة للرجل، وجعل فيهما حب إنشاء الأسرة وتكوين الحياة الطيبة العائلية وتحمل مشاق تربية الأولاد ، قال تعالى :((
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ، ورزقكم من الطيبات)) النحل 72

وهكذا فإن صيانة الحمل والأجنة والحفاظ على الحياة وجعل ذلك ضمن نظام شرعي محكم ،هو من أغراض الشريعة الإسلامية التي من مقاصدها حفظ النسل الإنساني.

حقوق الجنين:

ومن أجل ذلك ، فإنه لا يجوز التعرض للجنين بالإيذاء أو انتقاص حقوقه،وفي الشريعة الإسلامية يتمتع الجنين ب(أهلية الوجوب) أي وجوب الحقوق الإنسانية الفطرية كاملة له،ومنها حق الحياة، فلا يجوز التعرض له بما يهدد حياته بالخطر، سواء في ذلك الأم نفسها أم غيرها، وقد نص الفقهاء : ( إذا شربت الحامل الدواء ،فألقت به جنينا،فعليها غرة (والغرة هي دية الجنين) لا ترث منها شيئا ،وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها، فلزمها ضمانه بالغرة كما لو جنى عليها غيرها،ولا ترث من الغرّة شيئا،لأن القاتل لا يرث المقتول، وتكون الغرّة لسائر ورثته، وعليها عتق رقبة،ومثل ذلك أيضا (إن كان الجاني المسقط للجنين أبا أو غيره من ورثته ،فعليه غرة ،لا يرث منها شيئا،ويعتق رقبة)

وكذلك يحفظ الدين للجنين حقه في الملكية،فإذا مات مورثه يوقف توزيع التركة حتى يولد الجنين، وليحدد نصيبه وفق استحقاقه.

الإجهاض :Abortion

يعرف الأطباء الإجهاض بأنه خروج محتويات الحمل قبل (28) أسبوعيا تحسب من آخر حيضة حاضتها المرأة.
وتقع غالبية حالات الإجهاض أو السّقط في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل، عندما يقذف الرحم محتوياته بما في ذلك الجنين وأغشيته ،ويكون في أكثر حالاته محاطا بالدم ، أما الإجهاض بعد الشهر الرابع Miscarriage فيشبه الولادة، إذ تنفجر الأغشية أولا وينزل منها الحمل، ثم تتبعه المشيمة.

أسباب الإجهاض وأنواعه:

أ - الإجهاض التلقائي: Spontaneous adortion

ويتعرض له(10%) من النساء الحوامل ،وذلك لأسباب صحية خارجة عن إرادة الحمل ومنها:

1- خلل في البويضة الملقحة : ويشكل هذا السبب من 60 إلى 70% من حالات الإجهاض التلقائي ،ويعود السبب في ذلك إلى خلل في الصبغات (الكروموسومات) وإلى أسباب أخرى تعود إلى تكوين البويضة الملقحة.
والإسقاط في هذه الحالة من رحمة الله تعالى ،حبث إن الجنين لو عاش مع هذا الخلل فسيكون مشوها ويعاني من أمراض خلقية لا حصر لها.
2- أمراض الرحم: كالعيوب الخلقية والأورام وانقلاب الرحم وأمراض عنق الرحم ، والتي قد تكون بسبب ولادة عسيرة سابقة
3- أمراض الأم: وذلك كإصابتها بداء البول السكري أو أمراض الكلى المزمنة أو الأمراض الزهرية وأمراض الغدة الدرقية وارتفاع ضغط الدم وبعض الحميات الشديدة .
4- إصابة الحامل نتيجة ضرب أو سقوط أو حادث: وغالبا ما تتأثر بذلك الأرحام الضعيفة خاصة.
5- الاختلالات الهرمونية: وهي من الأسباب الرئيسية في حدوث حالات الإجهاض ولا سيما الإجهاض المتكرر.
6- تناول بعض الأدوية والعقاقير التي تسبب الإجهاض: ومنها ما يستخدمه الأطباء لإسقاط الجنين في حالات طبية خاصة.

ب - الإجهاض الجنائي :

وهو الإجهاض المتعمد ويتمثل في حالتين :

1- الاعتداء على الأم بالضرب والإيذاء المادي أو المعنوي : فتسقط جنينها.
2- إجراء عملية إجهاض للأم الحامل: بناء على طلبها أو مكرهة ، للتخلص من الجنين أو الحمل غير المرغوب فيه، دون مسوغ شرعي، ويكون ذلك غالبا لطمس آثار جرائم العلاقات الغير مشروعة.
ولقد كثرت جرائم الإجهاض الجنائي وزادت زيادة رهيبة في الدول الأوربية والأمريكية ،ولولا انتشار وسائل منع الحمل لكانت حالات الإجهاض الجنائي أكثر بكثير ، حيث إن الإجهاض الجنائي يرادف انتشار الزنى والإباحية الجنسية.

ج-الإجهاض المحتم: وهو الإجهاض الذي ينتهي بسقوط الجنين حتما ولا ينفع معه العلاج ويصحبه عادة نزيف رحمي وقد يستمر النزيف فترة من الزمن وقد يبقي في الرحم بعض المحتويات عالقة بجدار الرحم ،فعندئذ لابد من التدخل الجراحي لتجريف الرحم وإزالة هذه المخلفات خوفا من إنتاناتها.
د- الإجهاض المختفي: وفي هذه الحالة ينزف الرحم داخليا ويموت الجنين ،ويبقى فترة في الرحم الذي يقذفه ذاتيا ،أو يحتاج الأمر إلى عملية جراحية وتنظيف الرحم منه.
هـ - الإجهاض المتكرر: وهو الذي يحدث بعد كل حمل ،وله أسباب متعددة أهمها نقص البروجسترون الذي هو هرمون الحمل، ولكل سبب علاجه المعروف في الطب.

حكم الإجهاض:

1- الإجهاض للمحافظة على حياة الأم:

يقول الشيخ محمود شلتوت في فتاواه (( إذا ثبت من طريق موثوق به أن بقاء الجنين بعد تحقيق حياته بؤدي لا محالة إلى موت الأم ،فإن الشريعة بقواعدها العامة تأمر بارتكاب أخف الضررين، فإذا كان في بقائه موت الأم ،وكان لا منفذ لها سوى إسقاطه ،كان إسقاطه في تلك الحالة متعينا ،ولا يضحى بها في سبيل إنقاذه لأنها أصله وقد استقرت حياتها)).
ويعلق الدكتور محمد علي البار على هذه الفتوى فيقول :
ولا أعلم أن هناك من الأمراض ما يجعل هلاك الأم محققا إذا هي استمرت في الحمل ،إلا حالة واحدة هي تسمم الحمل ،وحتى في هذه الحالة لا يحتاج الطبيب إلى قتل الجنين ،بل إلى إجراء الولادة قبل الموعد المحدد،وأغلب هذه الحالات تسلم الأم ويسلم وليدها معها.
ويضيف :ونتيجة التقدم الطبي الهائل ، فإن قتل الجنين لإنقاذ الأم يصبح لغوا لا حاجة له في أغلب الحالات المرضية

2- الإجهاض رحمة بالجنين ذاته:

يقول الدكتور محمد علي البار : هناك حالات مرضية عديدة يتعرض فيها الجنين للمخاطر ،ويتعين في بعض تلك الحالات إخراج الجنين رحمة بالجنين ذاته ،ومثال ذلك إصابة الأم في أشهر الحمل الأولى بالحصبة الألمانية ،فإن احتمال إصابة الجنين بالتشوهات الخلقية ترتفع إلى (70%) إذا كانت إصابة الأم بالحصبة الألمانية في الشهر الثاني من الحمل ، ثم تقل النسبة بعد ذلك ،كما أن تعرض الأم للعلاج بالأشعة أو بالعقاقير المضادة للسرطان يؤدي إلى تشوهات الجنين ،وفي أحيان كثيرة إلى قتله ،وفي تلك الحالات ينصح بإجراء الإجهاض ، لا لأن بقاء الجنين يؤدي إلى موت الأم لا محالة ، بل لأن بقاء الجنين يؤدي إلى تشوهات خلقية أاو إلى وفاة الجنين ذاته ويتعين عندئذ إخراجه من الرحم حتى لا ينتن أو يتعفن.

3- الإجهاض بعد نفخ الروح :

أي بعد (120) يوما من الحمل ،وقد جاء تقدير ذلك في الحديث الشريف المشهور عن ابن مسعود –رضى الله عنه أنه قال : (( حدثنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ،ثم يكون علقة مثل ذلك ،ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح))

وقد اتفق الفقهاء على أن إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فيه حرام،وجريمة من الجنايات والكبائر لا يحل لمسلم أن يفعلها ، لأنها جناية على حي متكامل الخلق ظاهر الحياة ،وقد رأينا في مقدمة هذا المقال حق الجنين في الحياة والتملك أو ما يسميه الفقهاء (أهلية وجوب الحقوق له) ،وقد أوجب الرسول –صلى الله عليه وسلم- الغرة للجناية على الجنين.

4- الإجهاض قبل نفخ الروح:

لم يتعرض كثير من شيوخ المفتين المحدثين إلى حكم الإجهاض في بدايات الحمل وقبل نفخ الروح مكتفين بذكر حكم التحريم بعد الشهر الرابع من الحمل بناء على الحديث السابق، وكأنهم بذلك يتيحون المجال للإجهاض قبل ذلك، لأنه قتل ما لا روح فيه، وهذا ما فهمه كثير من الجهلة والعوام وسيئي النوايا والمقاصد ، فاتهموا الشربعة الغراء بأنها تبيح الإجهاض ،وهذا ما مارسه بالفعل كثير ممن يريدون التخلص من الحمل لهوى في نفوسهم.

ولكن الفقهاء الذين يعتمد على أقوالهم قديما وحديثا
متفقون على أن النطفة إذا استقرت في الرحم صارت إلى
التخليق شيئا فشيئا ،وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك تفيد
أن الجنين قبل نفخ الروح هو في حياة وأطوار خلقه وتكوين
ونمو، ومن ذلك ما رواه مسلم عن حذيفة بن أسيد -رضي الله
عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة - وفي رواية بضع وأربعون- بعث الله ملكا صورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها))

وهكذا يتبين أن التخلق يبدأ في النطفة منذ لحظة الإخصاب الأولى وبعد أن تستقر في الرحم، وهذا ما يؤكده الطب أيضا ،وأما نفخ الروح فهو شيء آخر بعد تمام التخليق واكتمال أجهزة الجسم تقريبا بعد تمام (120) يوما.

ولذلك فإن من يؤخذ بقولهم من الفقهاء متفقون على حرمة إسقاط الجنين عموما قبل نفخ الروح وبعده ،ولاشك أن الجريمة أشد وأشنع عندما يكون الإجهاض جنائيا وبعد نفخ الروح.


بقلم ـ ابتسام سالم
1424هـ

 

ترتيب الفلق في رتب