عودة للقائمة

                      عفة الشريف الرضى

 

حكى أبو حامد بن محمد الإسفرايني الفقيه الشافعي ، قال : كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة ، فدخل عليه الرضىّ أبو الحسن  فأعظمه وأجلّـه ، ورفع من منزلته ، وخلّى ماكان بيده من القصص والرقاع ، وأقبل عليه يحادثـُـهُ إلى أن انصرف . ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبو القاسم ، فلم يـُـعـظّـمـه ذلك التعظيم ، ولا أكرمه ذلك الإكرام ، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها وتوقيعات يُـوَ قّـع  بها ، فجلس قليلا ، وسأله أمراً فقضاه ، ثم أنصرف . قال أبو حامد : فتقدمت إليه وقلت له : أصلح الله الوزير ! هذا المرتضى  هو الفقيه المتكلم صاحبُ الفنون ، وهو الأمثل  الأفضل منهما ،  وإنما أبو الحسن شاعر .  فقال لي : إذا أنصرف الناس ، وخلا المجلس أجبتُـك  عن هذه المسألة .  قال أبو حامد : فلما لم يبق  في المجلس إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام  ، فلما أكلنا وغسل يده وانصرف عنه أكثرُ غلمانه ، ولم يبق عنده غيري ، قال لخادم له :  هات الكتابين  اللذين دفعتها إليك منذ أيام ، وأمرتك أن تجعلها  في السفط الفلاني ( القفة )  فأحضرهما فقال : هذا كتاب الرضى ، اتصل بي أنه قد وُلِد له ولد ، فأنفذت إليه ألف دينار ، وقلت : هذه للقابلة ـ فقد جرت العادة  أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم ، وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال ـ فردّها ،  وكتب إلىّ هذا الكتاب ، فأقرأه .  قال : فقرأته ، وهو اعتذار عن الرد ، وفي جملته : إننا ـ أهل بيت ـ لا يـطـّـلـع  على أحوالنا  قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا  ، ولسنَ  ممن يأخـُــذْن أجرة ، ولا يقبلن صِـلَـة .  قال : فهذا ، هذا . وأما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسّـطنا على الأملاك تقسيطا نّـصْـرِفه  في حفر  فـُــوّهة النهر المعروف بنهر عيسى ، فأصاب مِـلْـكاً  للشريف المرتضى عشرون درهماً ، وقد كتب إلى منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب فأقرأه ، فقرأته ، وهو أكثر من مائة سطر  يتضمن  من الخضوع  والخشوع  والأستمالة والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم  عن أملاكه المشار إليها  مايطول شرحه  .  قال فَـخْـر الملك  : فأيهما أولى بالتعظيم والتبجيل ؟ هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ، ونفسه هذه النفس ، أم ذلك الذي لم يـُـشْـهر إلا بالشعر خاصة ، ونفسه تلك النفس ؟ قلت : وفـّــق الله الوزير ، فما زال موفقاً ، وما وضع  الأمر إلا موضعه ، ولا أحـلّـه إلا في محله  .أنتهى 


صالح المسند
جدة ـ 1422هـ

 

ترتيب الفلق في رتب